أبو علي سينا

8

الإشارات والتنبيهات ( تحقيق زارعي )

تلقى ابن سينا دروسا في القرآن والأدب في بخارى ، وكان إذ ذاك في سنّ التمييز . وقد امتاز بالنبوغ المبكر والذكاء إلى درجة كان يحسّ بأنّه يستطيع أن يستغني عن معلّميه ويكتفي بمطالعة الكتب بنفسه لاكتساب العلوم المختلفة ؛ ولذا فقد أصبح موضع عناية أستاذه الذي أوصى والده بأن يتفرّغ ( أبو علي ) للدراسة وطلب العلم . وقد استطاع ابن سينا أن يكتسب الكثير من العلوم كالحساب والجبر والمقابلة والفقه والمنطق والأدب الفارسي والعربي وكتاب أقليدس ، بمدّة قصيرة . ثم بدأ يطالع الكتب المصنّفة في علم الطبّ ، حتّى أصبح - خلال فترة قصيرة - معلّما في هذا المجال ، وقد تتلمذ على يده الكثير من فضلاء عصره . بالإضافة إلى ذلك فإنّه كان يعالج المرضى ، واكتسب في هذا المجال أيضا تجارب كثيرة . ثمّ توجّه إلى علم ما بعد الطبيعة ، فقرأ كتاب « ما بعد الطبيعة » - لأرسطو - أربعين مرّة وحفظ ما فيه ، إلّا أنّه لم يفهم محتواه بحيث فقد الأمل في فهم محتواه ، وتوهّم أنّ ما بعد الطبيعة علم لا يمكن فهمه وإدراكه ، إلى أن اطّلع صدفة على كتاب « أغراض ما بعد الطبيعة » - للفارابي - والذي أعانه كثيرا في الولوج إلى علم ما بعد الطبيعة وحلّ عقده ، ومن ثمّ فهمه . أكمل ابن سينا تتلمذه واستحصاله لعلوم زمانه وهو في سنّ الثامنة عشرة ، وانتقل إلى مرحلة التعمّق والتأمّل في ما اكتسب من العلوم وإبداء نظره بشأنها . توفّي والده وكان له من العمر 22 سنة ، فاضطرّ - لتأمين مصدر رزقه - إلى الاشتغال في أعمال السلطان . وكانت الدولة السامانيّة إذ ذاك في حالة ضعف واضطراب ، ممّا اضطرّه إلى الذهاب إلى كركانج ليعيش في كنف وزيرها « أبي حسين السهيلي » الذي كان يكرم العلماء . ولم تمض على وجوده هناك مدّة حتّى حرّض عليه حسّاده السلطان محمود ، وذلك بإثارة النزعة الطائفيّة فيه ليأمر بالقبض عليه ، ففرّ من هناك ، وظلّ يتنقل من مدينة إلى أخرى حتّى وصل إلى جرجان ، وبدأ بالتعليم والتصنيف بدعم مالي من رجل محب للعلوم ونشرها يدعى « أبو محمد الشيرازي » ، وكتب رسائل متعدّدة وكتبا كثيرة ، منها : كتاب « المبدأ والمعاد » ، وبداية كتاب « القانون » .